ابن سبعين

420

رسائل ابن سبعين

اعتقد قدم كلام اللّه تعالى ، وقيامه بنفسه لم يفهم من الإنزال الذي يذكر في كلامه غير الإدراك الذي يوجد في سر الملك والنبي . وإذا قال القائل نزل أمر الملك لم يرد به انتقال أصواته ، ولا انتقال كلامه القائم بنفسه ، ويمكن أنه أراد به ورود الصور المجردة على جوهر روحه الطاهر المقدس ، ولكن عقب توجهه في ساعته التي لا يسعه فيها إلا ربه تعالى ، فإن الوارد القريب الأول يقع فيطلب بحديث البعض المتفق بالاعتبار المختلف بالحد إلى الكل المتفق من كل الجهات فيتحرك لذلك المركب الطبيعي ، فيحدث من ذلك حركة مشتركة ، وراحة محمولة ، وعذاب مضاف ، ويكون في التقدير من أنواع الموت المجاز كالغشي ، وغيره يستغفر اللّه هنا وعلى كل حال إن وجهناه على الإعانة على ما ذكر فحسن ، وإن وجهناه على المصرّ ، والقول دخل تحت الأدب ، فأحسن ، وإن وجهناه على التستر كما تقدم ، والجمع بين ما يجب للّه وللعبد والأمة ، ولما يصلح لها فأحسن وأحسن . واعلم أن الواردات منها ما يكون كالشئ المتصل برباط ، ومنها ما يكون بالاتصال الأبلغ ، مثل المرتكز في الشيء ، ومنه ما يكون أبلغ وأعظم ، فالاتصال من الجميع كالشئ الملتحم في الشيء الذي هو به كالجزء منه ، كتركيب الشجر في الشجر . فالوارد الأول هو وارد العلم فقط ، وهو الذي ذم به ابن طفيل في رسالته : « حي بن يقظان » لابن الصائغ ، والثاني يقبل إذا ظهر في الذات ، والثالث يشرب من عين اليقين حق اليقين ، فافهم . وهذا وجه لا نرضى به للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولا نختاره له ، وإن كان ذكرته فهو فيك ولك لا له صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويمكن أنه أراد به الاستغفار لأمته على عدد ضروبهم ، فيستغفر للعصاة بمعنى ، وللطائعين بمعنى ، وللمحققين بمعنى أخر عند تفكره فيهم ، فإن الباقيات كثيرة لا سيما في غير المعصوم ، ثم أضاف نفسه في استغفاره أدبا مع ربه ، وعباده وحالا ، وعلى أكمل ما يمكن ، فإنه أعطى قانون الإطلاق الذي يقيد الخير بالذات كما أعطى جوامع الكلم ، ولم يتكلم قط إلا بها . وقوله هو القول الوجيز الجامع المانع صلّى اللّه عليه وسلّم فتصفح وتتبع وفكر في مدلوله تصل ، وقد يمكن أنه أراد به الانتقال من رتبة دنيا إلى رتبة قصوى ، وكان يستغفر اللّه من السكون إلى الحالة الأولى من التحليلات ، وينتقل إلى الثانية التي ترد بعدها ، ويمكن أنه أراد الانفصال من متعلق معلوم حال مستجلب وارد ، والاتصال بمعلوم حال أخر مثله ، وجعل الاستغفار بينهما تشترك فيه ماهية الشكر مع ماهية الخوف مع ماهية الأدب مع ماهية المشاهدة مع